هل ترسم كارثة فوكوشيما "بداية النهاية" للطاقة النووية في العالم؟
بقلم نضال أبوزكي، مدير عام شركة "أورينت بلانيت
أثار زلزال اليابان، وما تبعه من تداعيات إرتبطت بالدرجة الأولى بالكارثة النووية المترتبة عن إنفجار مفاعلات مجمع فوكوشيما، تساؤلات عدة حول مستقبل الطاقة النووية وسبل إيجاد بدائل آمنة عبر الطاقة المتجددة والبديلة لتحقيق الإستدامة وتجنب كوارث جديدة قد تهدد البشرية، سيّما وأنه حدث في الوقت الذي يشهد فيه العالم تحولاً متسارعاً نحو الإعتماد على الطاقة النووية في محاولة للحد من التغيرات المناخية والإحتباس الحراري. وتباينت آراء العلماء في هذا الصدد، إذ يرى البعض أن أحداث اليابان لن تؤثر بشكل كبير على مستقبل الطاقة النووية، في حين يعتقد آخرون أن ما حصل من شأنه إعاقة نشاط تطوير الطاقة النووية في عدد من الدول تخوفاً من الكوارث المدمرة المماثلة لإنفجار فوكوشيما.
وفي الآونة الأخيرة، إتسع نطاق إستخدام الطاقة النووية في مختلف دول العالم، النامية منها والمتقدمة، كبديل للوقود الأحفوري الذي ينطوي على آثار سلبية مدمرة على البيئة وبالأخص فيما يتعلق بالاحتباس الحراري. ومع النمو المطّرد في التعداد السكاني في العالم، وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على وجه الخصوص التي تعتبر موطن حوالى 6% من إجمالي سكان الأرض مع توقعات بوصول تعدادها السكاني إلى 859 مليون نسمة في عام 2100، إزدادت أهمية الطاقة النووية بإعتبارها المصدر الوحيد غير المتجدد لتلبية إحتياجات العالم من الكهرباء بتكاليف أقل ودون المساس بسلامة البيئة، مقارنة بالوقود الأحفوري المعتمد اليوم في معظم الدول العربية.
وعلى الرغم من أنّ كارثة اليابان لا يمكن النظر إليها كمؤشر لتحديد مستقبل الطاقة النووية نظراً لعدم قدرتنا حالياً على التنبؤ بطبيعة الآثار والنتائج التي قد تظهر لاحقاً، إلاّ أنها أعادت إلى الأذهان كارثة تشرنوبل التي لا تزال إلى الآن مثار جدل واسع بين مؤيد ومعارض. ففي الوقت الذي يؤكد فيه مؤيدو الطاقة النووية بأن المفاعلات باتت أكثر أمناً مقارنةً بمصادر الطاقة الأخرى، وأنّ كارثة اليابان لا تتعدى كونها قضاء وقدر ونتيجة كارثة طبيعية مدمرة، لا خطأ تكنولوجي أو بشري، يركز المعارضون عقب إنفجار "فوكوشيما" جهودهم ودعواتهم على ضرورة توظيف الموارد الطبيعية المتجددة مثل الطاقة الشمسية والرياح عوضاً عن الطاقة النووية أو الوقود الأحفوري. وبالفعل إستجابت العديد من الحكومات في العالم بما فيها الحكومة الألمانية لهذه الدعوات، فأغلقت سبعة من مفاعلاتها النووية وجمدت قرار تمديد العمل في المفاعلات النووية لديها لمدة 3 أشهر ريثما تجد البديل المناسب، في حين تستمر دول أخرى في سباقها نحو تخصيب الطاقة النووية دون النظر إلى الآثار السلبية التي تطال مختلف المجالات الحيوية.
وفي الدول العربية، يمكن القول بأنّ الوضع مغاير تماماً لما هو عليه في الدول المتقدمة. إذ يواصل العالم العربي سعيه إلى دخول غمار تجربة الطاقة النووية التي إزداد الإهتمام بها على مدى السنوات الأخيرة في إطار الجهود الرامية إلى تجنب المشاكل السياسية والإقتصادية والبيئية الناجمة عن مواصلة إستخدام المصادر النفطية لتوليد الطاقة، والتي من المتوقع أن تتلاشى في المستقبل القريب نتيجة الطلب المتزايد على الطاقة في المنطقة. ولكن هذا التوجه سيفرض بالتأكيد تحديات جديدة، فعند التحدث عن الطاقة النووية، لا يمكننا تجاهل مخاطر استخداماتها الحربية مع تطور صناعة الأسلحة النووية. كما لا نستطيع الإعتماد على الطاقة النووية دون إيجاد السبل المناسبة للتخلص من النفايات السامة والحد من أضرارها الخطيرة على الصحة العامة وسلامة البيئة، وبالتالي على الإنسان. وعلى الرغم من التطور العلمي، إلاّ أنّ الإشعاعات النووية لا تزال التحدي الأكبر أمام مستقبل الطاقة النووية كونها السبب الرئيسي وراء مختلف الأمراض المميتة، وعلى رأسها مرض السرطان فضلاً عن آثارها السلبية على المزروعات والغذاء والثروة السمكية والبحرية.
|
|

وعلى الرغم مما سبق، من المتوقع أن يتواصل تخصيب الطاقة النووية لمختلف الإستخدامات، إذ تفيد تقارير متخصصة إلى أنّ مساهمة الطاقة النووية في توليد الكهرباء سترتفع بحدود 7 إلى 8 في المائة بحلول عام 2020, وذلك على أثر وصول عدد المحطات النووية التي تعمل اليوم إلى 426 محطة، فضلاً عن عشرات المحطات الأخرى التي لا تزال قيد الإنشاء. وعقب كارثة اليابان، بدأت تتجه جهود رواد قطاع الصناعة نحو تطوير إمكانيات هذه المفاعلات للصمود في وجه أي نوع من الكوارث الطبيعية لئلا يتكرر سيناريو فوكوشيما في المستقبل. وفي المقابل، لا يزال البعض يؤكد على خطورة إستخدام الطاقة النووية وبالأخص عقب فشل اليابان، التي تعد من الدول الأكثر تطوراً في العالم في تأمين سلامة مفاعلاتها النووية، ما يجعل من هذه النقطة أحد المخاوف الرئيسية التي لا يمكن تجاهلها. إذ مهما سعت الدول إلى إتخاذ إجراءات صارمة لضمان سلامة المفاعلات النووية، يمكن لأية مشكلة سواء تقنية أو فنية أو نتيجة كارثة طبيعية، أن تودي بحياة المئات وربما الآلاف وتحدث تلوثاً بيئياً خطيراً وتكبد الدول خسائر إقتصادية فادحة، وخير دليل على ذلك ما حصل في "تشيرنوبل" و"ثري مايل آيلند" فيما مضى.
ويشير عدد من المراقبين إلى أنه حتى لو نجحت اليابان في إنعاش "فوكوشيما" من جديد، فإن ما حصل سيعيق من دون شك نشاط توليد الكهرباء المعتمدة على الطاقة النووية في كافة أنحاء العالم، تاركاً بذلك الإحتمالات مفتوحة لإيجاد بديل فوري. وبالتأكيد تمثل العودة لإستخدام الوقود الأحفوري من الفحم والغاز والنفط البديل الأسرع في الوقت الراهن، مما سيعود بالنفع الكبير من الناحية الإقتصادية على قطاع النفط والغاز، وخاصةً في الدول العربية المصدرة للنفط، ولو على الأمد المتوسط. ولكن هل الوقود الحفوري هو البديل الأنسب من الناحية البيئية؟.. هذا ما يجب على الحكومات كافة النظر إليه قبل إتخاذ قرارات سيكون لها تأثيرات سلبية على حياة البشرية في المستقبل..
إذاً أثارت كارثة اليابان النووية العديد من التساؤلات والشكوك لتترك الرأي العام منقسم بين مؤيد ومعارض وتفرض المزيد من الصعوبات على مدى الأعوام القادمة مع قيام العديد من دول العالم بتجميد المشاريع النووية في إنتظار معرفة النتائج وإيجاد إستراتيجيات مناسبة لتحديد ملامح مستقبل الطاقة في العالم. وتبقى منطقتنا العربية في صمت، غائبة عن التعامل مع مخاطر استخدامات هذا النوع من الطاقة في سعيها المتواصل إلى الإنضمام للدول النووية. ولكن يبقى الهاجس الرئيسي "هل ترسم كارثة فوكوشيما بداية النهاية للطاقة النووية في العالم؟!". |